عبد الملك الجويني
233
نهاية المطلب في دراية المذهب
وأفعالٌ هي على صورها غصبٌ ، كما ذكرنا في نقل الصبية ودخُول الدُّور . وقد يجري ما لا يكون استيلاءً ، وإن زعم صاحب الواقعة أنه قصد استيلاء ، وهو كدخول الضعيف دار القوي بنفسه ، مع القطع بأنه لا يستمكن من الاستيلاء ، وصاحب الدار في الدار ، فهذا خارج عن قَبِيل الاستيلاء ، غيرُ مختلف بالقصد . وإذا دخل داراً ، وكان لا يمتنع تصوّر الاستيلاء منه ، فدخوله متردد بين النظر ، وبين الاستيلاء ، فيختلف الحكم باختلاف القصد . فلا بد من تخيل هذه المراتب على وجوهها . وقد يفرض في المنقول ما يناظر المرتبة الأخيرة ، فإذا كان بين يدي الرجل كتابٌ مملوك له ، فرفعه رافع ، وقصد الغصب ، فنجعله غاصباً ، فإن قصد النظر فيه وردَّه ، لم نجعله غاصباً ، على المذهب الظّاهر . وسنضرب لذلك أمثلةً في مرور الدنانير المغصوبة بأيدي النقاد ( 1 ) . وإنما غرضنا التمهيد الآن . وقد يعترض في انعقار أمرٌ ، وهو أن من دخل داراً ، فدخل بيتاً ( 2 ) ، فقد يختص استيلاؤه بذلك البيت ، فيقدّر غاصباً له دون غيره ، وهذا يتضح بألاّ يغلق بابَ الدار على نفسه ، ويقطع العرصة عابراً . على هذا الوجه يُفرض الغصب في بيتٍ من خانٍ ( 3 ) ، ويمكن أن يقال : إن ظهر الانتفاع بالدار ، فهو استيلاء عليها ، وإن لم يظهر ، ولم يكن استيلاءٌ ، فالدخول ليس استيلاء . وإن لم يظهر ، وحصل الدخول وأمكن الاستيلاء ، اختلف الأمر بالقصد . والرجوع بعد ذلك كله إلى العرف ، فإذا ثبت أهلية ( 4 ) [ الاستيلاء ] ( 5 ) ، ثبت الغصب
--> ( 1 ) النقاد : أي الصيارف الذين يعملون في النقد . ( 2 ) الدار تحوي عدة بيوت ، فالبيت جزء من الدار . ( 3 ) الخان : النُزل : الفندق ، وهي لفظة فارسية معناها أصلاً : الحانوت ، ثم صارت تطلق على ذلك المبنى الذي يقام لأيواء المسافرين الذين يمرون بالمدينة ، أو ينزلونها لحاجتهم ، ثم يعودون . وهو الفندق تماماً . إلا أنه كان مجاناً وتطوعاً . ( 4 ) ( ت 2 ) : أصلية . ( 5 ) في الأصل : استيلاء .